أحمد أمين

20

كتاب الأخلاق

ونحوها ؛ فلما علم المتمدن أسباب هذه الأشياء زال خوفه منها ، ولكنه أصبح يخاف من الأمراض والميكروبات ، ومن أن يمس شعوره ، ومن أن تتعدى أمة على أمته إلى كثير من أمثال ذلك . فالخوف ملازم للإنسان في وحشيته ومدنيته ، يخاف على نفسه وعلى ملكه وعلى صحبه ، يخاف من الأوهام ويخاف من الفقر ومن كبر السن ومن الموت ؛ فهو عبد للخوف أبدا حتى يموت . ومن جهة أخرى ، فالخوف من أكبر عوامل التربية . ولا بد من الخوف المعتدل لصلاح الحيوان والإنسان ، فحولنا أنواع من الأعداء تود الإيقاع بنا في أنفسنا وأموالنا وأخلاقنا ، وليس ينجينا منها إلا الخوف من الألم المتوقع من حدوثها . وكثيرا ما يحملنا على النجاح في أعمالنا خوفنا ومن ألم الفشل . وإن أخلاقنا وحسن سلوكنا لتكون عرضة للفساد إذا لم تكن محصنة بالخوف من ذم من حولنا واحتقارهم إيانا . أضف إلى ذلك أن الخوف من النتائج السيئة المستقبلة هو الذي ملأ المصلحين غيرة على أممهم وجعلهم يتحملون كل مكروه في سبيل تنفيذ إصلاحهم . * * * وهناك غرائز أخرى لا يتسع المجال لشرحها تفصيلا ، فموضع ذلك علم النفس ، كغريزة الملكية أو الحيازة فتظهر في ميل الإنسان إلى الادخار واقتناء الثروة ، وهي كثيرا ما تكون باعثا للإنسان على أنواع من السلوك ؛ كغريزة حب الاستطلاع ، وهي تدفع الذهن إلى استكشاف خفايا المسائل وتحصيل المعلومات ؛ وكغريزة حب الاجتماع ، وهي السبب في تكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات ووضع النظم المختلفة لها . وكل هذه الغرائز وأمثالها منبع خفي لأعمال الإنسان الظاهرة . تعريف الغريزة وخصائصها : اختلف علماء النفس اختلافا كبيرا في تعريف الغريزة ، وربما كان أقرب التعاريف إلى الصواب ما عرفها به الأستاذ جيمس ، فقال : « الغريزة ملكة يقتدر بها على عمل يوصل إلى غاية من غير سابق نظر إلى تلك الغاية ، ومن غير سابق تدريب على هذا العمل » .